
تضع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الأردن أمام اختبار أمني وسياسي مركّب، لا يرتبط فقط بحماية المجال الجوي والحدود، بل بإدارة موقعه الجيوسياسي الحساس بين بؤر اشتعال متعددة. فالأردن، بحكم موقعه بين العراق وفلسطين والسعودية، لا يتعامل مع الأزمة كدولة مراقبة، بل كدولة تماس مباشر مع تداعيات الصراع الإقليمي.
وقد أعلنت القوات المسلحة الأردنية في أكثر من مناسبة أن صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت أراضي المملكة، وليس مجرد عبور عابر لأجوائها، مشيرة إلى اعتراض أعداد كبيرة منها بكفاءة عالية. ووفق وكالة الأنباء الأردنية، قال الناطق العسكري العميد مصطفى الحياري إن إيران استهدفت الأراضي الأردنية بـ281 صاروخاً ومسيّرة منذ بداية الحرب، وأن الدفاعات الأردنية اعترضت 261 منها. كما أكد أن الهجمات طالت منشآت ومواقع حيوية داخل الأردن، ما يعني أن التهديد كان مباشراً للسيادة الأردنية لا مجرد أثر جانبي للصراع.
أولاً: الأردن كدولة حاجز لا كساحة عبور
تعامل الأردن مع الهجمات الإيرانية وفق عقيدة أمنية واضحة: منع تحويل الجغرافيا الأردنية إلى ممر عمليات أو مسرح تصفية حسابات. هذا الموقف ينسجم مع الخطاب الأردني الثابت بأن أمن المملكة وسيادتها فوق أي اصطفاف إقليمي، وأن المجال الجوي الأردني ليس فضاءً مفتوحاً لأي طرف.
الأهمية هنا أن الأردن لم يقدّم نفسه كطرف هجومي في الحرب، بل كدولة تدافع عن سيادتها وعن سلامة المدنيين. وهذا التمييز بالغ الأهمية في لغة العلاقات الدولية؛ لأنه يمنح عمّان شرعية دفاعية، ويجنبها الانزلاق إلى معادلة “الرد الانتقامي” التي تسعى إيران وأذرعها غالباً إلى جرّ الدول إليها.
ثانياً: الهجمات الإيرانية واستهداف العمق الأردني
استهداف الأردن بالصواريخ والمسيّرات يعبّر عن محاولة إيرانية لاختبار خطوط الردع، وقياس قدرة الدولة الأردنية على حماية مجالها الحيوي. غير أن الأداء الأردني أظهر أن المملكة تمتلك منظومة إنذار واعتراض وتنسيق دفاعي فعّالة، قادرة على التعامل مع التهديدات الجوية المعقّدة.
ففي 29 مارس 2026، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن إيران استهدفت المملكة بصاروخ وطائرتين مسيّرتين خلال 24 ساعة، ودعت المواطنين إلى الالتزام بالمصادر الرسمية وعدم تداول الشائعات. وفي 6 أبريل، أعلنت أيضاً استهداف المملكة بثلاث مسيّرات وصاروخ خلال 24 ساعة. هذه البيانات تعكس نمطاً متكرراً من الضغط العسكري، لكنها تعكس في المقابل قدرة الدولة على احتواء التهديد دون فقدان السيطرة الأمنية أو الإعلامية.
ثالثاً: الميليشيات الموالية لإيران ومنطق الحرب بالوكالة
لا يقتصر التهديد على إيران كدولة، بل يمتد إلى الميليشيات المتحالفة معها في العراق. هذه الجماعات تتحرك ضمن ما يمكن تسميته “استراتيجية الضغط غير المباشر”، حيث تستخدم الطائرات المسيّرة والصواريخ والحدود الرخوة لإرباك الدول الحليفة للولايات المتحدة أو القريبة من خطوط التوتر.
وقد شكّل هجوم “تاور 22” في يناير 2024 مثالاً واضحاً على خطورة هذا النمط، إذ قُتل ثلاثة جنود أمريكيين وأصيب عشرات آخرون في هجوم بطائرة مسيّرة على موقع عسكري داخل الأردن، ونُسب الهجوم إلى جماعات عراقية مدعومة من إيران.
في هذا السياق، يصبح الأردن هدفاً لأنه يمثّل دولة مستقرة، ذات شراكات أمنية غربية، وموقع جغرافي حاسم. واستهدافه لا يهدف بالضرورة إلى إسقاط توازناته، بل إلى الضغط عليه، واختبار أعصابه السياسية، ودفعه إلى رد فعل متسرع يمكن استثماره دعائياً.
رابعاً: عدم الرد العسكري المباشر ليس ضعفاً بل إدارة متقدمة للقوة
صمود الأردن وعدم اندفاعه إلى ردود انتقامية مباشرة لا يُقرأ بوصفه تردداً، بل باعتباره نموذجاً في “الضبط الاستراتيجي”. فالقوة في إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بعدد الضربات المضادة، بل بالقدرة على منع الخصم من فرض قواعد اشتباك غير مرغوبة.
الأردن اختار الرد عبر ثلاث طبقات:
الأولى، دفاعية ميدانية، عبر اعتراض الصواريخ والمسيّرات وحماية المدنيين.
الثانية، سياسية ودبلوماسية، عبر تثبيت حقه السيادي وإدانة الاعتداءات ضمن أطر إقليمية ودولية.
الثالثة، أمنية داخلية، عبر ضبط الرواية الإعلامية ومنع الشائعات التي قد تخدم الحرب النفسية.
خامساً: السياسة الأردنية بين الردع والاتزان
القيمة الاستراتيجية للموقف الأردني تكمن في أنه جمع بين الحزم وعدم التهور. فهو لم يسمح بانتهاك سيادته، ولم يترك المجال الجوي الأردني مكشوفاً، لكنه في الوقت ذاته لم يمنح إيران أو وكلاءها فرصة لتوسيع الحرب على حسابه.
هذه السياسة تعكس نضجاً في إدارة المخاطر، وتؤكد أن الأردن يتحرك ضمن مفهوم “القوة العاقلة”: قوة تعرف متى تعترض، ومتى تضبط النفس، ومتى ترفع الكلفة السياسية على المعتدي دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.
خلاصة تقديرية
أثبت الأردن في هذه الأزمة أنه ليس الحلقة الأضعف في الإقليم، بل أحد أعمدة الاستقرار فيه. فقد واجه تهديدات صاروخية ومسيّرة مباشرة، وتعامل مع نشاط الميليشيات الموالية لإيران، وحافظ في الوقت نفسه على تماسكه الداخلي وموقعه الدبلوماسي المتوازن.
إن عدم اتخاذ الأردن قراراً بالرد العسكري المباشر لا يعني غياب القدرة، بل يعكس امتلاك القرار. وهذه نقطة جوهرية: فالدول القوية لا تُستدرج بسهولة، ولا تسمح لخصومها بتحديد توقيت ومكان ونوع المواجهة. الأردن، في هذه المعادلة، قدّم نموذجاً لدولة تدير أمنها بعقل استراتيجي، وتحمي سيادتها بكفاءة، وتحافظ على موقعها كقوة اتزان في إقليم شديد الاضطراب.