
يمثل الاستهداف المتكرر لإقليم كردستان العراق من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران أحد أخطر التهديدات لسيادة العراق واستقرار المنطقة في السنوات الأخيرة. فمنذ تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مطلع عام 2026، شنت هذه الجماعات – التي تعمل تحت رايات مثل “المقاومة الإسلامية في العراق”، وتضم فصائل كأصحاب الكهف وغيرها المرتبطة بقوات الحشد الشعبي – مئات الصواريخ والطائرات المسيرة على الإقليم. وقد استهدفت العديد من هذه الهجمات أحياءً مدنية ومنازل وبنية تحتية غير عسكرية في أربيل ودهوك والسليمانية، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار جسيمة.
تقع المسؤولية الرئيسية عن حملة العنف هذه على عاتق الميليشيات المدعومة من إيران. فبدلاً من حصر عملياتها على الأهداف العسكرية أو أهداف التحالف، استهدفت هذه الفصائل عمداً أو بتهور المناطق المدنية. وتشمل الحوادث الموثقة غارات بطائرات مسيرة أسفرت عن مقتل زوجين كرديين في منزل ريفي شمال غرب أربيل، فضلاً عن هجمات على مناطق سكنية تسببت فيها الأنقاض المتساقطة أو الضربات المباشرة في إلحاق أضرار بالمنازل وتعريض حياة الأبرياء للخطر. وبحسب السلطات المحلية وتقارير إعلامية، فقد تعرض إقليم كردستان لما يزيد عن 400 إلى 600 هجوم من هذا القبيل منذ أواخر فبراير/شباط 2026. هذه الأعمال ليست “مقاومة” مشروعة، بل عدوان سافر ينتهك السيادة العراقية والقانون الدولي الإنساني. وكثيراً ما أعلنت الميليشيات مسؤوليتها في بيانات علنية، مصورةً إقليم كردستان كامتداد لأعدائها المزعومين.
إلحاق الأذى المتعمد أو العشوائي بالمدنيين
ما يجعل هذه الاعتداءات مستهجنة بشكل خاص هو تأثيرها على المواطنين العاديين. فقد استُهدفت قواعد البيشمركة والمطارات والبنية التحتية للطاقة، كما استُهدفت قرى وأحياء حضرية مسالمة لا قيمة عسكرية تُذكر لها. ويُعدّ تحطم طائرة مسيّرة على منزل عائلة، ما أسفر عن مقتل مدنيين في منطقة زراعية، مثالاً صارخاً على الخسائر البشرية. وقد أدت هذه الحوادث إلى تعطيل الحياة اليومية، وإجبار المطارات والمنشآت على الإغلاق المؤقت، وإلحاق أضرار بمواقع طاقة حيوية مثل حقل غاز خور مور (مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي)، ونشر الخوف بين السكان الذين طالما سعوا إلى الاستقرار بعد عقود من الصراع.
ويبدو أن هذه الميليشيات، التي تعمل كوكلاء لطهران، مصممة على معاقبة إقليم كردستان لاستضافته القوات الأمريكية والبعثات الدبلوماسية الدولية وجماعات المعارضة الكردية من إيران. ومع ذلك، فإنها في سعيها هذا، تتعامل مع الأراضي العراقية – وأرواح الأكراد العراقيين – كأوراق مالية يمكن التضحية بها في مواجهة جيوسياسية أوسع. ويؤكد هذا النمط من السلوك استهتارها بوحدة الدولة العراقية وسلامة مواطنيها.
*صمت بغداد المريب وتقاعسها*
ومما يثير القلق أيضاً رد فعل الحكومة الاتحادية في بغداد الخافت. فعلى الرغم من الإدانات المتكررة لـ”الهجمات على الأراضي العراقية”، إلا أن المسؤولين العراقيين يترددون في الكشف علناً عن هوية الفصائل المسؤولة أو اتخاذ خطوات جادة لكبح جماحها. ولم تسفر الوعود بإجراء تحقيقات مشتركة وتشكيل لجان عن أي إجراءات ملموسة تُذكر. وقد صرّح قادة أكراد بارزون، بمن فيهم رئيس الوزراء مسرور بارزاني، علناً بأن بغداد “تعرف جيداً” من يقف وراء الهجمات، لكنها فشلت في تنفيذ تدابير عملية لوقفها. بل إن وزير الخارجية فؤاد حسين أقرّ بصعوبة السيطرة على هذه الجماعات المسلحة القوية.
هذا التردد، سواءً كان نابعًا من حذر سياسي، أو خوف من مواجهة داخلية، أو ديناميكيات نفوذ أعمق، يُهدد بتقويض الثقة في النظام الاتحادي العراقي. فبالنسبة للكثيرين في إقليم كردستان، يُفاقم عجز الحكومة المركزية أو عدم رغبتها في حماية جميع أنحاء البلاد المظالم المتجذرة ويُضعف التماسك الوطني. إن اتخاذ إجراءات حازمة لا لبس فيها ضد الميليشيات الخارجة عن القانون التي تنشط انطلاقًا من الأراضي الاتحادية هو الحد الأدنى المتوقع من دولة ذات سيادة؛ أما استمرار التردد فلا يُؤدي إلا إلى تشجيع الجناة.
القيادة القوية: دور عائلة بارزاني في الدفاع عن كردستان
في مواجهة هذا الضغط الخارجي والغموض الداخلي، أظهرت قيادة إقليم كردستان عزيمةً ونضجاً استراتيجياً. وقد لعب الرئيس مسعود بارزاني، أحد قدامى الحركة الوطنية الكردية، دوراً محورياً في حشد الوحدة الداخلية وجذب الاهتمام الدولي. ووصف الاعتداءات باستمرار بأنها “عدوان سافر” و”تجاوز غير مبرر”، وحث بغداد على تجاوز الإدانات الكلامية نحو تدخل حاسم. وأكد بارزاني أن الصمت إزاء الهجمات المتكررة على الإقليم، بما في ذلك على مواقع البيشمركة والمواقع المدنية، لم يعد مقبولاً.
استكمالاً لهذا الموقف، عزز رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس وزرائه مسرور بارزاني موقفاً دفاعياً واضحاً. فقد عززا التنسيق مع قوات البيشمركة، ودعما جهود الدفاع الجوي التي اعترضت العديد من الطائرات المسيرة والصواريخ القادمة، وسلكا القنوات الدبلوماسية لتسليط الضوء على محنة الإقليم. يجمع نهجهما بين الحزم – برفض أي مساومة على أمن شعب كردستان ومؤسساتها – وضبط النفس، متجنبين التصعيد الذي قد يزيد من زعزعة استقرار العراق ككل.
وبتوجيهاتهما، حافظت حكومة إقليم كردستان على الاستقرار الداخلي، واستمرت في تقديم الخدمات الأساسية حيثما أمكن، وأبقت باب الحوار مفتوحاً مع بغداد مع الإصرار على توفير حماية ملموسة. وقد حظيت هذه القيادة بالاحترام لإعطائها الأولوية لسلامة المدنيين وقوات البيشمركة، حماة الإقليم، مع تقديم رؤية لكردستان كمنطقة تتمتع باستقرار نسبي وإمكانات اقتصادية وسط الاضطرابات الإقليمية.
الخلاصة: يجب أن تبدأ المساءلة بالجناة
تقع المسؤولية الأساسية عن المعاناة التي لحقت بكردستان العراق على عاتق الميليشيات المدعومة من إيران، والتي حوّلت الأراضي العراقية إلى قاعدة انطلاق لعملياتها. وتُشكّل حملتها من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على المناطق المدنية تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضي العراق وحياة شعبه. ولا يزيد تردد بغداد في تسمية هذه الجماعات ومواجهتها إلا من تفاقم المشكلة، إذ يُرسل إشارة خطيرة بالإفلات من العقاب.
وتُقدّم صمود كردستان، الذي تشكّل بفضل القيادة الحازمة لشخصيات مثل مسعود بارزاني وخلفائه في رئاسة الإقليم ورئاسة الوزراء، نموذجًا للحكم الرشيد في ظلّ الظروف الصعبة. وكان دفاعهم القوي عن حقوق المنطقة وأمنها أساسيًا في حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار.
لكي يتقدم العراق كدولة موحدة ذات سيادة، يجب على السلطات الاتحادية كسر صمتها وفرض سيطرة حقيقية على الفصائل المسلحة التي تعمل خارج نطاق القانون. إلى حين ذلك، سيظل شعب كردستان يتحمل وطأة صراع لم يختره، بينما يُظهر، من خلال قيادة حازمة، أن العدوان لن يثني عزيمته على السلام وتقرير المصير. على المجتمع الدولي أن يُدرك أن قوة الميليشيات غير المقيدة في العراق تُنذر بتحويل البلاد بأكملها إلى ساحة صراع بالوكالة، ما يُنذر بعواقب وخيمة على الأمن الإقليمي.