إيرانالشؤون العسكرية والأمنيةالطاقة والاقتصاد

أوروبا ومضيق هرمز: حدود القدرة على تأمين الملاحة خارج المظلة الأميركية

يشكّل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الدولي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الضيق، بل لأنه يمثل عقدة مركزية في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. وفي ضوء التصعيد الأخير في الخليج، عاد المضيق إلى صدارة الاهتمام الدولي، مصحوباً بطرح متزايد في الأوساط الإعلامية والسياسية مفاده أن أوروبا تدرس إمكانية إعادة فتحه من دون الاعتماد على الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح، رغم استناده إلى مؤشرات واقعية، يتطلب قدراً عالياً من التدقيق، إذ يختلط فيه البعد السياسي بالطموح الاستراتيجي، وتتداخل فيه القدرة الفعلية مع الرغبة في الاستقلال.

القراءة المتأنية للتوجهات الأوروبية تشير إلى أن الحديث لا يدور حول خطة هجومية لفرض فتح المضيق بالقوة، بقدر ما يعكس توجهاً نحو بناء مقاربة دفاعية متعددة الأطراف تهدف إلى إدارة المخاطر البحرية وتأمين مرور السفن، خصوصاً في سياق ما بعد التهدئة أو ضمن هدنة غير مستقرة. هذا التوجه ينبع من إدراك أوروبي لطبيعة التحدي، حيث لا يُنظر إلى المضيق كساحة يمكن حسمها بعملية عسكرية قصيرة، بل كنظام معقد يتطلب إعادة بناء الثقة تدريجياً، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.

في هذا السياق، تسعى القوى الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا والمملكة المتحدة، إلى صياغة دور يوازن بين متطلبات الاستقرار البحري وتجنب الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، لا سيما تلك التي تقوم على الضغط والحصار. هذا التوجه يعكس، في جوهره، رغبة متنامية في توسيع هامش القرار الأوروبي المستقل، دون القطيعة مع الشريك الأميركي، وهو ما يجعل الاستقلال هنا نسبياً لا بنيوياً كاملاً. فالأوروبيون لا يتحركون في فراغ استراتيجي، بل داخل بيئة أمنية لا تزال الولايات المتحدة تشكل ركيزتها الأساسية.

الدافع الاقتصادي يظل عاملاً حاسماً في هذا التحرك، إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على الأسواق الأوروبية، سواء من خلال أسعار الطاقة أو سلاسل الإمداد أو معدلات التضخم. ومع بقاء المضيق نقطة اختناق رئيسية في تجارة النفط العالمية، فإن استقرار الملاحة فيه يمثل ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. ومن هنا، فإن التحرك الأوروبي لا يعبّر فقط عن طموح سياسي، بل عن استجابة لضغوط اقتصادية بنيوية.

على المستوى العملياتي، تمتلك أوروبا مجموعة من الأدوات التي تتيح لها لعب دور مؤثر، وإن كان محدوداً. فهناك خبرة سابقة في مجال المراقبة البحرية ومرافقة السفن، إضافة إلى قدرات متقدمة في إزالة الألغام، وهي عنصر حاسم في أي سيناريو لإعادة تأمين الممرات البحرية. كما أن أوروبا قادرة على تأطير تحركها ضمن خطاب قانوني دولي يركز على حرية الملاحة، ما يمنحها درجة من القبول السياسي تتجاوز ما قد تحققه العمليات ذات الطابع الصدامي.

غير أن هذه القدرات تصطدم بجملة من القيود البنيوية التي تحد من فعاليتها في حال التصعيد. فغياب الثقل العسكري الأميركي، خصوصاً في مجالات الردع الشامل والقيادة والسيطرة، يضع سقفاً واضحاً لما يمكن لأوروبا تحقيقه بمفردها. كما أن الجغرافيا العملياتية للمضيق تمنح إيران أفضلية نسبية، بحكم قربها الساحلي وقدرتها على استخدام أدوات غير متكافئة مثل الألغام والصواريخ والزوارق السريعة، ما يجعل أي محاولة لفرض فتح المضيق بالقوة عملية عالية الكلفة والمخاطر.

إلى جانب ذلك، تواجه أوروبا قيوداً داخلية تتعلق بطبيعة صنع القرار، حيث تتطلب العمليات العسكرية توافقاً سياسياً معقداً وإطاراً قانونياً دقيقاً، قد لا يتوافر بسهولة في ظل الانقسامات الدولية. كما أن مسألة إعادة فتح المضيق لا تقتصر على البعد العسكري، بل ترتبط أيضاً بعوامل السوق، إذ تعتمد عودة الملاحة الطبيعية على تقييم شركات الشحن والتأمين لمستوى المخاطر، وهو ما يعني أن “الفتح” لا يتحقق بمجرد وجود عسكري، بل يحتاج إلى بيئة مستقرة نسبياً.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في اضطلاع أوروبا بدور فاعل في مرحلة ما بعد التهدئة، من خلال إزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية تدريجياً، بما يسهم في إعادة الثقة إلى حركة الملاحة. أما سيناريو قيام أوروبا بعملية مستقلة لفرض فتح المضيق خلال صراع مفتوح، فيظل ضعيف الاحتمال في ظل التوازنات الحالية.

الدلالة الأعمق لهذا المشهد لا تتعلق فقط بمضيق هرمز، بل بموقع أوروبا في النظام الدولي. فبينما تسعى القوى الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، تكشف هذه الحالة عن استمرار الاعتماد غير المباشر على المظلة الأميركية، خاصة في البيئات عالية التهديد. وفي الوقت ذاته، تبرز أهمية الأدوات غير الصدامية، مثل إدارة المخاطر البحرية وبناء الثقة، كبدائل واقعية عن المقاربات العسكرية المباشرة.

في المحصلة، لا يعكس الحديث عن “إعادة فتح مضيق هرمز من دون أميركا” تحولاً جذرياً في ميزان القوة، بقدر ما يعكس محاولة أوروبية لإعادة تعريف دورها ضمن حدود الممكن. فالدور الأوروبي مرشح لأن يكون عاملاً مكملاً في استعادة الاستقرار الملاحي، لا بديلاً كاملاً عن القوة الأميركية في فرضه. ويظل الفارق بين “تأمين المرور” و“فرض الفتح” هو المفتاح التحليلي لفهم حدود هذا الدور في المدى المنظور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى