
بغداد — تتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من استمرار عجز الحكومة العراقية عن ضبط الميليشيات الموالية لإيران، في وقت تواصل فيه هذه الجماعات تصعيد هجماتها على المصالح الأمريكية وتهديدها المباشر لدول الخليج، ما يضع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في صدارة المسؤولية السياسية والأمنية.
فعلى الرغم من تعهدات متكررة من بغداد بفرض سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، تشير الوقائع الميدانية إلى عكس ذلك تماماً. إذ تتحرك الميليشيات بحرية متزايدة، منفذة هجمات عبر الحدود، ومهددة بتوسيع نطاق عملياتها بما يتجاوز الساحة العراقية، في سلوك يُنظر إليه على أنه تقويض مباشر لسيادة الدولة.
مصادر دبلوماسية غربية أكدت أن واشنطن لم تعد ترى في هذه التطورات مجرد خروقات أمنية محدودة، بل نمطاً مستمراً من العجز الحكومي عن كبح جماح الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران. وقال أحد المسؤولين إن “المشكلة لم تعد في الميليشيات فقط، بل في غياب إرادة حقيقية لدى الحكومة لمواجهتها”.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي تعهد عند توليه المنصب بإعادة هيبة الدولة، يواجه اليوم انتقادات حادة بسبب ما يُوصف بفشل واضح في ترجمة هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة. ويرى مراقبون أن الحكومة اكتفت بمواقف إعلامية، دون اتخاذ خطوات حاسمة لاحتواء نفوذ الفصائل أو محاسبتها.
وفي ظل هذا التصعيد، أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكدة أن استهداف مصالحها أو تهديد حلفائها في الخليج لن يمر دون رد. وأعلنت مصادر رسمية أن واشنطن رفعت مستوى جاهزيتها العسكرية في المنطقة، مع التأكيد على أن جميع الخيارات مطروحة لحماية قواتها ومصالحها.
وفي خطوة تعكس حجم التوتر، استدعت الإدارة الأمريكية السفير العراقي في واشنطن، حيث تم توجيه رسالة واضحة إلى بغداد بضرورة اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لوقف أنشطة الميليشيات. ووصفت مصادر مطلعة اللقاء بأنه “صارم وغير قابل للتأويل”، مشددة على أن صبر واشنطن بدأ ينفد.
ويرى محللون أن هذا الاستدعاء يحمل دلالات سياسية عميقة، إذ يعكس انتقال الموقف الأمريكي من مرحلة التنبيه إلى مرحلة الضغط المباشر، مع احتمال اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في حال استمرار الوضع الحالي.
في المقابل، تواجه الحكومة العراقية معضلة متزايدة بين حسابات الداخل وضغوط الخارج. إلا أن خبراء يؤكدون أن استمرار هذا التردد قد يكلّف العراق موقعه الإقليمي وعلاقاته الدولية، فضلاً عن تعريض أمنه الداخلي لمزيد من التدهور.
ويقول أحد المحللين في الشؤون الإقليمية: “لم يعد مقبولاً أن تبقى الدولة رهينة لجماعات مسلحة تعمل خارج إطارها. المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة، وأي تأخير في الحسم سيقود إلى نتائج أخطر”.
ومع استمرار الهجمات وتصاعد التهديدات، يبدو أن العراق يقف أمام اختبار حاسم. فإما أن تتحرك الحكومة لفرض سيادتها بشكل فعلي، أو تترك الساحة مفتوحة أمام مزيد من التصعيد، في وقت تلوّح فيه واشنطن بردود قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.



