العراق

الإطار التنسيقي بين المماطلة السياسية وتغليب المصالح الضيقة على مستقبل العراق

 

في مشهد سياسي يتكرر منذ سنوات، يقف العراق مرة أخرى أمام حالة من الجمود والتعطيل، عنوانها الأبرز هو عجز الإطار التنسيقي عن حسم ملف اختيار رئيس الوزراء. هذا التعطيل لم يعد مجرد خلاف سياسي طبيعي بين قوى متنافسة، بل تحول إلى نهج واضح يعكس خللاً عميقاً في أولويات هذه القوى، التي يبدو أنها لا ترى في الدولة سوى غنيمة، وفي السلطة سوى وسيلة لإدامة النفوذ وتقاسم الثروات.

إن المماطلة في اختيار رئيس وزراء ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لأسلوب سياسي قائم على كسب الوقت، وإدارة الأزمات بدلاً من حلها. الإطار التنسيقي، الذي يفترض أنه يمثل ثقلاً سياسياً قادراً على اتخاذ القرار، يثبت مرة بعد أخرى أنه عاجز عن تقديم مصلحة البلاد على حساب حساباته الخاصة. فبدلاً من الإسراع في تشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية، ينشغل بصراعات داخلية، ومساومات خلف الكواليس، هدفها الوحيد توزيع المناصب والنفوذ.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل هذا التأخير مجرد خلافات داخلية، أم أنه انتظار محسوب لظروف إقليمية ودولية معينة؟ من الواضح أن جزءاً من هذا التباطؤ مرتبط بترقب تطورات المشهد الإقليمي، خصوصاً التوترات والحروب التي تلقي بظلالها على المنطقة. هناك انطباع متزايد بأن بعض أطراف الإطار التنسيقي تفضل تأجيل الحسم بانتظار توازنات جديدة، قد تتيح فرض شخصية أقرب إلى الفصائل المسلحة، وأكثر انسجاماً مع توجهات إقليمية معينة، وفي مقدمتها إيران.

هذا السلوك يعكس أزمة سيادة قرار، حيث يبدو أن اختيار رئيس وزراء العراق لا يُحسم فقط داخل بغداد، بل يتأثر بحسابات خارجية، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول استقلالية القرار السياسي. فبدلاً من البحث عن شخصية وطنية قادرة على إدارة الدولة بكفاءة، يتم التركيز على مرشح يضمن استمرار منظومة النفوذ، ويحمي مصالح القوى المتنفذة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار البلاد ومستقبلها.

الأخطر من ذلك أن هذه المماطلة تجري في وقت يعاني فيه المواطن العراقي من أزمات خانقة: بطالة متفاقمة، خدمات متدهورة، فساد مستشرٍ، وبنية تحتية متهالكة. ومع ذلك، لا يبدو أن هذه المعاناة تشكل أولوية لدى الإطار التنسيقي. فالمواطن، في نظر هذه القوى، ليس سوى رقم في معادلة انتخابية، يتم استدعاؤه عند الحاجة، ثم يُهمّش حين تبدأ لعبة تقاسم السلطة.

إن الإصرار على تقديم المصالح الشخصية والحزبية على حساب المصلحة الوطنية يكشف عن خلل أخلاقي وسياسي عميق. فالدولة لا يمكن أن تُدار بعقلية الغنيمة، ولا يمكن أن تنهض في ظل طبقة سياسية ترى في السلطة وسيلة للإثراء والسيطرة، لا أداة لخدمة الشعب. هذا النهج لا يؤدي فقط إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بل يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويعمّق فقدان الثقة بين المواطن والنظام السياسي.

في المحصلة، فإن مسؤولية الإطار التنسيقي عن هذا التعطيل واضحة ولا يمكن تبريرها. فبدلاً من لعب دور قيادي في إخراج البلاد من أزماتها، اختار أن يكون جزءاً من المشكلة، بل أحد أبرز أسبابها. إن استمرار هذا النهج يعني مزيداً من التدهور، ومزيداً من الإحباط الشعبي، وربما مزيداً من الانفجارات الاجتماعية التي لن يكون من السهل احتواؤها.

العراق اليوم بحاجة إلى قرار شجاع، يضع حداً لهذه الحلقة المفرغة من المماطلة والمصالح الضيقة. بحاجة إلى قيادة تؤمن بأن السلطة مسؤولية لا غنيمة، وأن خدمة الشعب ليست شعاراً بل التزاماً. وما لم يحدث هذا التحول، سيبقى البلد رهينة حسابات ضيقة، يدفع ثمنها شعب أنهكته الأزمات، ولا يزال ينتظر من يضع مصلحته أولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى