
في ذروة توتر إقليمي متسارع، لم تكن الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج حدثًا عابرًا، بل جاءت كحلقة جديدة في سلسلة تصعيد تكشف خللًا عميقًا في معادلة الدولة العراقية. فخلال الأيام القليلة الماضية، عادت هذه الهجمات لتطرح بوضوح سؤال السيادة: من يسيطر فعليًا على الأرض العراقية؟
المعطيات الميدانية تشير إلى نمط مكرر: طائرات مسيّرة تُطلق، مسارات تتجه نحو الخليج، وتصريحات إدانة تتبعها دون إجراءات حاسمة. وبين الفعل وردّ الفعل، تتسع الفجوة بين ما تعلنه بغداد وما يحدث فعليًا على الأرض. فالفصائل المسلحة الموالية لطهران، والتي تمتلك ترسانة متطورة من الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، لم تعد مجرد مجموعات خارجة عن القانون، بل تحولت إلى قوة موازية تُعيد رسم قواعد الاشتباك الإقليمي من داخل العراق.
هذه الهجمات الأخيرة لم تستهدف فقط مواقع حيوية أو عمقًا جغرافيًا لدول الخليج، بل استهدفت بشكل مباشر العلاقة السياسية الهشة بين بغداد والعواصم الخليجية. فكل ضربة تُطلق من الأراضي العراقية تُقرأ خليجيًا على أنها إما تقصير أو تواطؤ، وفي الحالتين تتآكل الثقة.
وفي هذا السياق، جاء التحرك السعودي الأخير ليؤكد أن مرحلة التجاهل قد انتهت. إذ استدعت وزارة الخارجية السعودية سفيرة العراق لدى المملكة، صفية السهيل، وسلمتها مذكرة احتجاج رسمية، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فالمملكة، التي استثمرت خلال السنوات الماضية في إعادة فتح قنوات التواصل مع بغداد، تُرسل الآن رسالة واضحة: أمنها القومي غير قابل للاختبار، وأي تهديد ينطلق من الأراضي العراقية سيُحمَّل للعراق سياسيًا قبل أي طرف آخر.
هذا الاستدعاء لم يكن إجراءً شكليًا، بل يعكس تحولًا في التعاطي الخليجي مع الملف العراقي؛ من دعم الانفتاح إلى الضغط المباشر. وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة: إما إثبات قدرتها على ضبط الفصائل المسلحة، أو مواجهة عزلة متجددة وخسارة شراكات استراتيجية كانت تُبنى بصعوبة.
المشكلة الأعمق تكمن في أن هذه الفصائل لا تعمل في فراغ. فهي تستفيد من بيئة سياسية منقسمة، ومن تردد حكومي واضح في المواجهة، إضافة إلى تشابك مصالح إقليمية يجعل من العراق ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل. وبهذا المعنى، فإن كل مسيّرة تُطلق ليست فقط سلاحًا عسكريًا، بل أداة ضغط سياسي تُستخدم لإبقاء العراق ضمن محور معين، بعيدًا عن محيطه العربي.
اللافت أن هذا التصعيد يأتي في توقيت كانت فيه بغداد تحاول تعزيز علاقاتها مع دول الخليج عبر مشاريع اقتصادية واتفاقيات طاقة وتبادل زيارات رسمية. إلا أن هذه الجهود تبدو هشة أمام قدرة الفصائل على تقويضها بضربة واحدة. فالهجمات لا تدمّر أهدافًا مادية فقط، بل تضرب أساس الثقة، وهو العنصر الأهم في أي علاقة دولية.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالبيانات أو التبريرات. فدول الخليج، التي ترى في استقرار العراق مصلحة مشتركة، بدأت تنظر أيضًا إلى أمنها من زاوية أكثر صرامة. ومع تكرار الهجمات خلال أيام قليلة، تتزايد احتمالات الانتقال من الاحتجاج الدبلوماسي إلى خيارات أكثر حدة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني.
إن ما يجري اليوم يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: العراق لا يُختبر فقط من الخارج، بل من داخله أيضًا. فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تفرض قرارها الأمني، ستبقى عرضة لأن تتحول إلى منصة لإطلاق التهديدات، لا شريكًا في بناء الاستقرار.
في النهاية، لم تعد القضية مجرد مسيّرات تعبر الأجواء، بل مسار دولة يتحدد. فإما أن يستعيد العراق سيطرته الكاملة ويعيد ضبط علاقاته على أساس الندية والسيادة، أو يستمر في دفع ثمن صراعات تُدار على أرضه، وتُكتب نتائجها خارج حدوده.



