
تشهد المنطقة مرحلة شديدة الحساسية من التصعيد العسكري والسياسي، بعد الضربات الإيرانية التي طالت الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً إمارة أبوظبي، في خطوة تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة السلوك الإيراني تجاه دول الخليج العربي. وبينما تحاول طهران تبرير هجماتها بذريعة “استهداف المصالح الأمريكية”، فإن الوقائع السياسية والعسكرية تؤكد أن الإمارات ليست طرفاً مباشراً في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ولم تكن صاحبة قرار بالحرب أو التصعيد، بل كانت طوال السنوات الماضية من أكثر الدول دعوة إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية.
الهجوم الإيراني على أبوظبي يكشف بوضوح أن طهران باتت تتعامل مع دول المنطقة باعتبارها ساحات ضغط سياسية ورسائل غير مباشرة إلى واشنطن، بعدما عجزت عن خوض مواجهة مباشرة ومتوازنة مع القوة الأمريكية في البحر أو استهداف حاملات الطائرات والقواعد العسكرية الكبرى بصورة تغير معادلة الحرب. لذلك لجأت إلى سياسة “الضغط عبر الأطراف”، أي استهداف دول الخليج والمنشآت المدنية والاقتصادية بهدف خلق حالة إقليمية ضاغطة تدفع العواصم الخليجية إلى التدخل سياسياً والوساطة لإنقاذ إيران من تبعات الحرب والعقوبات والخسائر العسكرية المتراكمة.
ومن اللافت أن الخطاب الإيراني الرسمي حاول توصيف الاستهداف على أنه موجّه إلى “أبوظبي” وليس إلى “دولة الإمارات العربية المتحدة”، وكأن هناك محاولة لإيصال رسالة توحي بوجود تمايز داخلي أو إمكانية الفصل بين الإمارات السبع. إلا أن هذا الطرح يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الدولة الإماراتية وتركيبتها السياسية. فالإمارات اليوم دولة اتحادية مستقرة، ذات قرار سيادي موحد، وتتمتع بتماسك سياسي ومؤسسي واضح تحت قيادة واحدة. ولا توجد أي مؤشرات حقيقية على وجود خلافات داخلية يمكن البناء عليها أو استغلالها، بل إن الأزمات الخارجية غالباً ما تزيد من تلاحم الموقف الإماراتي الرسمي والشعبي.
وفي المقابل، أظهرت الإمارات مستوى عالياً من ضبط النفس السياسي والاستراتيجي، إذ لم تنجرّ إلى ردود فعل عسكرية متسرعة رغم الاعتداءات التي استهدفت أراضيها ومجالها الجوي. وقد اختارت أبوظبي التمسك بالقانون الدولي والقنوات الدبلوماسية والرسمية، انطلاقاً من إدراكها أن استقرار المنطقة لا يتحقق عبر توسيع دائرة الحرب، بل عبر احتواء التصعيد ومنع انزلاق الخليج إلى مواجهة مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية.
هذا السلوك الإماراتي يعكس ثقة الدولة بقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويؤكد أن الامتناع عن الرد العسكري المباشر لا يعني الضعف، بل يعكس نضجاً استراتيجياً وحسابات دولة تدرك خطورة المرحلة. فالإمارات تمتلك قدرات دفاعية وتحالفات دولية مؤثرة، لكنها تدرك أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يمثل أولوية تتجاوز الحسابات الانفعالية.
في المقابل، تبدو إيران اليوم في موقع دفاعي أكثر منه هجومي. فالحرب الأخيرة أظهرت حجم الضغوط التي تواجهها داخلياً وخارجياً، سواء عبر اغتيال قيادات بارزة، أو استهداف منشآت حساسة، أو تصاعد العزلة الاقتصادية والعقوبات والحصار. ومع تراجع قدرتها على فرض توازن ردع مباشر مع الولايات المتحدة، اتجهت إلى تكتيك تصدير الأزمة إلى دول المنطقة، على أمل خلق ضغط سياسي إقليمي ودولي يدفع نحو وقف الحرب بشروط أقل خسارة بالنسبة لها.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار، وتُفقد إيران ما تبقى من رصيد سياسي لدى الشعوب والدول التي كانت ترى فيها طرفاً يرفع شعارات مواجهة الهيمنة الخارجية، لا طرفاً يهاجم العواصم العربية والمنشآت المدنية ويهدد أمن الخليج.
إن استهداف الإمارات، وهي دولة لم تدخل الحرب ولم تعلن عداءً مباشراً لإيران، يكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالصراع الإيراني الأمريكي، بل باتت مرتبطة بمحاولة إيرانية لتوسيع نطاق التوتر واستخدام الجغرافيا الخليجية كورقة تفاوض وضغط. غير أن هذا النهج قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يعزز التقارب الإقليمي والدولي ضد السياسات الإيرانية، ويمنح دول الخليج مبررات أكبر لتعزيز تحالفاتها الدفاعية والأمنية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ، وأن استهداف أي دولة خليجية تحت أي ذريعة يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة بأكملها، وهو أمر لن يؤدي إلى إنهاء الأزمات، بل إلى تعميقها وتوسيع تداعياتها على الجميع.



