تحليلسوريا

سوريا وإعادة التموضع في الإقليم: بين فكّ العزلة واحتمالات التقارب مع إسرائيل

سوريا بعد العزلة: عودة محسوبة إلى المشهد

تدخل سوريا اليوم مرحلة سياسية مختلفة عن سنوات الحرب الأولى، حيث لم تعد دولة معزولة بالكامل، لكنها أيضًا لم تستعد مكانتها الطبيعية في النظام الإقليمي. عودتها إلى الجامعة العربية والانفتاح النسبي من بعض العواصم الخليجية يعكسان تحولًا في المقاربة العربية من سياسة القطيعة إلى سياسة الاحتواء. هذا التحول لا ينبع من تغير جذري في بنية النظام السوري، بل من إدراك إقليمي بأن استمرار العزلة لم يحقق أهدافه، وأن إعادة دمج دمشق قد يساهم في ضبط التوازنات، خصوصًا في مواجهة النفوذ الإيراني.

ورغم هذا الانفتاح، ما تزال سوريا مكبّلة بالعقوبات الغربية، وهو ما يجعل أي تقارب عربي محدود الأثر اقتصاديًا، ويدفعها للاستمرار في الاعتماد على حلفائها التقليديين، روسيا وإيران، وإن كان هذا الاعتماد نفسه لم يعد مريحًا كما كان سابقًا.

توازنات دقيقة: سياسة التقارب المشروط

تحاول دمشق اليوم إدارة علاقاتها الخارجية بمنطق براغماتي، يقوم على فتح قنوات دون تقديم تنازلات جوهرية. التقارب مع الخليج يتم بحذر، وتحت سقف مطالب واضحة تتعلق بالأمن الإقليمي، بينما المسار مع تركيا لا يزال عالقًا بين المصالح المتعارضة. في المقابل، تحافظ سوريا على مستوى من التنسيق مع دول الجوار مثل الأردن والعراق، بما يخدم استقرار الحدود ويحد من التهديدات المشتركة.

هذا المشهد يعكس أن سوريا لم تنخرط بعد في تحالفات جديدة بقدر ما تحاول إعادة تثبيت موقعها ضمن شبكة علاقات مرنة، تتجنب فيها القطيعة الكاملة أو الارتهان الكامل.

تصريحات توماس باراك: قراءة في ما وراء الكلام

تكتسب تصريحات توماس باراك أهمية لأنها تعكس توجهًا موجودًا داخل بعض الدوائر السياسية الغربية، يرى في سوريا لاعبًا يمكن إعادة توجيهه ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، وربما إدخاله في مسار تطبيع مع إسرائيل.

عندما يشير باراك إلى أن سوريا لم تطلق رصاصة على إسرائيل، فهو يسلط الضوء على حقيقة تاريخية تتعلق بهدوء جبهة الجولان منذ عقود. هذا الهدوء لم يكن تعبيرًا عن تقارب سياسي، بل عن توازن ردع طويل الأمد، حافظ فيه الطرفان على قواعد اشتباك غير مكتوبة. أما قوله إن سوريا اليوم لا تتعامل بعدائية، فيحمل قدرًا من المبالغة، إذ لا تزال الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية مستمرة، في ظل صراع غير مباشر مرتبط بالوجود الإيراني.

الأكثر لفتًا في تصريحات باراك هو حديثه عن إمكانية التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء أو حتى تطبيع مع سوريا في وقت أقرب من لبنان. هذا الطرح يعكس رهانًا على براغماتية النظام السوري، وافتراض أن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفعه نحو خيارات غير تقليدية. إلا أن هذا التقدير يتجاهل تعقيدات عميقة، أبرزها ارتباط دمشق الاستراتيجي بإيران، وحساسية ملف الجولان، إضافة إلى غياب أي مسار تفاوضي حقيقي حتى الآن.

إسرائيل وسوريا: بين الهدوء والصراع غير المباشر

العلاقة بين سوريا وإسرائيل اليوم يمكن وصفها بأنها علاقة “لا حرب ولا سلام”، حيث يسود هدوء على الحدود يقابله نشاط عسكري إسرائيلي داخل العمق السوري. هذا النمط يعكس تحولًا في مفهوم الصراع، من مواجهة تقليدية إلى إدارة مستمرة للتوتر دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

تصريحات باراك حول الدروز ورؤية إسرائيل للحدود تعكس أيضًا مقاربة إسرائيلية أوسع، تسعى إلى توسيع مفهوم الأمن ليشمل ما وراء الحدود الجغرافية، سواء عبر الروابط الاجتماعية أو من خلال العمليات الاستباقية. أما حديثه عن أن نتنياهو “لا يهتم بالحدود”، فيحمل دلالة على سياسة إسرائيلية أكثر مرونة — أو أكثر تجاوزًا — لفكرة الحدود التقليدية في سبيل تحقيق أهداف أمنية.

هل يقترب التطبيع فعلًا؟

رغم كل ما يُطرح، لا توجد مؤشرات عملية على اقتراب سوريا من تطبيع مباشر مع إسرائيل. ما يوجد فعليًا هو استقرار أمني نسبي، وإدارة دقيقة للصراع، مع احتمالات نظرية لمفاوضات مستقبلية قد تنشأ إذا تغيرت المعادلات الإقليمية بشكل كبير.

بكلمات أخرى، سوريا اليوم ليست في طريقها إلى مواجهة مع إسرائيل، لكنها أيضًا ليست في طريقها إلى تطبيع قريب. وبين هذين الحدّين، تستمر في اتباع سياسة الانتظار، وترقب التحولات الكبرى التي قد تعيد رسم خريطة المنطقة بالكامل.

خاتمة: براغماتية محكومة بالقيود

يمكن القول إن سوريا تتحرك اليوم ضمن هامش ضيق، تحاول من خلاله تحقيق توازن بين فك العزلة والحفاظ على تحالفاتها، وبين الانفتاح الإقليمي وعدم تقديم تنازلات استراتيجية. أما التصورات حول تطبيع قريب مع إسرائيل، فهي تعكس توجهات وتحليلات أكثر مما تعكس واقعًا قائمًا، في مشهد إقليمي لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن دون مؤشرات حاسمة في المدى القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى